حزب التحرير ولاية الأردن

مقال: استثمارات الشركات الأمريكية والأجنبية في ثروات الأردن (ج4 والأخير)

بسم الله الرحمن الرحيم
مقال: استثمارات الشركات الأمريكية والأجنبية في ثروات الأردن (ج4 والأخير)
النظام الاقتصادي في دولة الخلافة يكفل عودتها ملكية عامة

 

إن سوق المعادن النادرة والعناصر الاستراتيجية لا ينفصل اليوم عن مطابخ القرار السياسي العالمي، والمنافسة في قطاع الاستخراج العالمي ليست مجرد منافسة بين دول، بل هي صراع نفوذ وتوازن قوى بين الشركات الكبرى عابرة القارات وحكوماتها الداعمة لها. ونتيجة للفكر الرأسمالي الاستعماري، أصبحت المعادن النادرة سلاحاً تتسابق الدول الكبرى للسيطرة عليه؛ نظراً لأهميتها في تأمين مكانتها الاقتصادية والسياسية.

تكمن الإشكالية في النظام الاقتصادي الرأسمالي السائد اليوم في العالم -ومنها الأردن- الذي ينظم ويحكم إدارة الثروات الطبيعية؛ فالمعادن -ومنها الفوسفات والنحاس والذهب، والأملاح مثل البوتاس والبرومين- على ما لها من أهمية استراتيجية في الصناعات الحديثة، لا تُعامل كثروة سيادية موجهة لبناء قاعدة صناعية متكاملة، بل كسلع تصديرية تخضع لظروف ومنطق السوق العالمية وتقلباته، ومزاج الرأسمالية العالمية، مما يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية ويحد من قيمتها المحلية.

وقد ذكرنا أن النظام في الأردن اتخذ منذ نشأته في القرن الماضي نهج إخفاء ثرواته وعدم استخراجها للأسباب السياسية التي ذُكرت في الجزء الأول. وفي بداية القرن الحالي، عندما بدأ في استخراج بعض ثرواته الدفينة، اتخذ نهج الاستثمارات الأجنبية، وما زال يبحث عن جذب المزيد من الاستثمارات الأمريكية الجديدة لقطاعي الطاقة والتعدين؛ فقد بحث وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني صالح الخـ رابشة -خلال اجتماع في البيت الأبيض في 11/6/2026 مع المدير التنفيذي للمجلس الوطني لهيمنة الطاقة الأمريكي جارود أجين- الفرص الاستثمارية المتاحة في الأردن، خاصة في مجالات التنقيب عن النفط والغاز، وتطوير المعادن الاستراتيجية، ومشروعات البنية التحتية للغاز الطبيعي؛ حيث تعتبر الحكومة أن الترويج لفكرة الاستثمار الخارجي هو المخرج الأساسي من الأزمة الاقتصادية، فتشجع على توفير مناخ الاستثمار من خلال سن التشريعات التي تجذب المستثمرين وتوفير البيئة الآمنة.

ولكن الواقع الماثل لأبناء الأردن يثبت أن الاستثمار الخارجي في البلاد لم يزدها إلا فقراً وبطالة وعجزاً ومديونية فلكية، وانحداراً في المستوى المعيشي، واتساعاً لظاهرة الفقر؛ رغم ما أعلنه أمس البنك الدولي من انتقال الأردن رسمياً من فئة الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى إلى فئة الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى، وهو تزوير للواقع بدلالاته الاقتصادية ومستوى الدخل الفردي، ويُقصد منه رفع التصنيف الائتماني لتسهيل الاقتراض الربوي وإغراق البلاد بالمزيد من المديونية.

وفي التحليل الاقتصادي السياسي الاستراتيجي الحالي، وحتى إحداث التغيير الجذري المنشود، هناك بالفعل بعض المسارات لكيفية تحقيق الدول للسيادة الكاملة على الموارد بعيداً عن شروط القوى العظمى أو نفوذ الشركات عابرة القارات؛ فالسيناريو العملي الذي يتيح للأردن -في ظل الواقع الحالي- استغلال ثروة البرومين، كما يتيح لغيره من بلاد المسلمين بأعلى عائد اقتصادي مستقل، ولحين تحقيق الوحدة السياسية لبلاد المسلمين، يمكن أن يرتكز على:
– التوطين الإجباري للتكنولوجيا: لكسر احتكار شركة “ألبيمارل” تكنولوجياً.
– إدارة الدولة المباشرة لقنوات التسويق: بحيث تتجنب الشركات الوسيطة وأرباحها.
– الدخول في شراكات استراتيجية: لتبادل المواد الخام مع البلاد الإسلامية والعربية التي تمتلك صناعات بتروكيماوية عملاقة، بحيث يتم دمج البرومين في صناعاتها.
– حظر تصدير المواد الخام: وإجبار أي شركة عالمية تريد البرومين الأردني على بناء مصانعها النهائية للأجهزة الإلكترونية على أراضي الدولة، وتحويل غور الصافي من مجرد “منجم استخراج” إلى “مركز صناعي عالمي متكامل”، مما يرفع القيمة المضافة للاقتصاد أضعافاً مضاعفة.

يُنظر إلى التكامل الإقليمي والوحدة الاقتصادية كأحد أقوى الحلول لمعالجة الواقع، والعملية التي تمكّن البلاد الإسلامية من استعادة “سيادتها على مواردها” ومواجهة شروط الاستثمار الأجنبي المفروضة من القوى العظمى أو الشركات عابرة القارات. وهذا يختلف تماماً عن “التنسيق الاقتصادي” -إن وجد- بين أنظمة سياسية متعددة ومتباينة المصالح والارتباطات كما هي الحال بين الدول القطرية الوطنية المصطنعة؛ فهو خيال لم ينجح تاريخياً في أي مكان في العالم، وخصوصاً بين الدول العربية والإسلامية.

فالعالم الإسلامي قد حباه الله تعالى ثروات هائلة؛ حيث يمتلك ثروات متنوعة وموزعة من المعادن الثمينة النادرة، ولكنها غير مستَغَلَّة، فلا بد من استثمارها من قِبل المسلمين. وكما يملي واقع التعدين والمعادن النادرة والثروات الطبيعية بوصفها قضية سياسية بين الدول العظمى، فمن هنا كان لا بد من مواجهتها والرد عليها من خلال دولة عظمى لها ثقل ووعي سياسي، وهذا لا يتأتى إلا باجتماع الأمة، والخلاص من حكامها، وإقامة الخـلافة الإسلامية؛ لمواجهة الصين وأمريكا وأوروبا وروسيا، وجميع القوى الطامعة في خيرات الأمة.

فما دامت الجغرافيا العربية مجزأة إلى وحدات سياسية ترتبط مصالحها بالخارج، ستظل الثروات الاستراتيجية كالبرومين عاجزة عن تحقيق فائدتها القصوى لأصحاب الأرض، ولا مخرج من ذلك إلا بالعودة إلى كيان سياسي واحد، سيادته مستقلة، تذوب فيه التبعية الاقتصادية للخارج، وهو الممر الحتمي والعملي الوحيد لانتزاع السيادة الكاملة على الإنسان والأرض والموارد.

وقد أثبتت التجارب الدولية السياسية أن السيادة المطلقة للدول النامية الصغيرة بمفردها هي وهم اقتصادي في ظل نظام مالي عالمي رأسمالي مُعَوْلَم ومحتكر، وأن السبيل الوحيد والناجع لتحقيق هذه السيادة من منظور جيوسياسي استراتيجي هو العودة إلى مفهوم الوحدة السياسية والاقتصادية المبدئية؛ حيث يذوب الضعف الفردي في القوة الجماعية، بل إن مساهمة أي قطر لا تبرز كعنصر قوة إلا عندما يصبح جزءاً من هذه الجماعة، فتتحول الثروات الطبيعية من أداة لرهن الإرادة إلى ركيزة لبناء استقلال سياسي واقتصادي حقيقي.

عندما تندمج دولة مثل الأردن ضمن عمقها العربي الإسلامي والإقليمي سياسياً وتاريخياً -كما كانت قبل سايكس بيكو وبمعيتها البلاد العربية الأخرى- يتحول القطاع التعديني من موقف الضعف الفردي إلى موقف القوة الجماعية، من خلال آليات استراتيجية تتيح التكامل الرأسي بصناعات متكاملة في ظل وحدة سياسية مثل دولة الخـلافة الراشدة؛ فعندها يمكن بناء سلاسل قيمة مغلقة بين ولايات الدولة، يمكن عندها مثلا نقل البرومين من الأردن مباشرة إلى مصانع البتروكيماويات أو الأسمدة في ولايات الدولة نفسها ليدخل في إنتاج مواد نهائية ذات قيمة استراتيجية (مثل: سوائل حفر النفط، المبيدات الزراعية، مثبطات اللهب، أو أشباه الموصلات والرقاقات الإلكترونية)، ويتم في الوقت نفسه التحرر الكامل من شروط براءات الاختراع الغربية الاستعـ مارية.

ولكي تنجح الأداة الاقتصادية، يجب أن تسبقها الأداة السياسية؛ فالوحدة السياسية المتكاملة تحت حاكم واحد، ودستور واحد، وجيش واحد، وسياسة خارجية مستقلة واحدة، هي التي تخلق الظروف والواقع لتحرير الموارد بقرار سيادي واحد لا يقبل الابتزاز؛ عندما يتحدث حاكم دولة واحدة للأمة الإسلامية تمتد في أي جزء من بلاد المسلمين تمتلك النفط، والغاز، والبرومين، والفوسفات، والممرات المائية كالسويس، وباب المندب، وهرمز، وملقا. وتحت مظلة دولة واحدة ذاتية الاستقلال المالي والتكنولوجي، ليس بينها أي حدود اقتصادية مصطنعة، تسقط فوراً أدوات الضغط الغربي مثل التهديد بقطع المساعدات أو العقوبات المالية؛ لأن هذا الكيان السياسي يصبح المصدر الأساسي للطاقة والصناعة في العالم وذاتي التمويل، والطرف الأقوى في معادلة الردع الاقتصادي، وعندها يتحول البحر الميت، وحقول نفط الشرقية، ومناجم فوسفات المغرب إلى ورشة عمل واحدة يكمل بعضها بعضاً لإنتاج منتج نهائي يحمل هوية وسيادة هذه الدولة الموحدة.

تخلص القراءات السياسية المستجدة إلى أن الفرصة التاريخية لصعود كيان وحدوي سياسي مستقل وعملاق هي الأعلى منذ عقود؛ بفضل سيولة النظام الدولي الحالي والتعددية القطبية الناشئة، وهذا يتطلب -بحسب أدبيات التغيير الجذري- زلزالاً سياسياً وانقلاباً أيديولوجياً شاملاً يعيد صياغة وعي المنطقة ومجتمعاتها، والانعتاق من فكرة العبودية للاستعـمار، ويفكك شبكات التبعية القائمة، ويفرض واقعاً جيوسياسياً جديداً يعجز العالم المتصارع عن منعه أو احتوائه.

فالشارع يعيش اليوم حالة من الرفض الكامن والوعي السلبي؛ والرفض الكامن يعني الإجماع على رفض الواقع الحالي الساخط على التبعية الاقتصادية، وتراجع المكتسبات المعيشية، ورهن الإرادة السياسية. هذا الوعي يدرك تماماً الترابط العضوي بين تجزئة الجغرافيا وبين نهب الموارد، وهناك عودة لافتة للهوية الجماعية العابرة للحدود الوطنية مدفوعة بالأزمات الإقليمية المشتركة.

لقد فقد الإعلام الرسمي لأنظمة التبعية مصداقيته حول ثروات الأمة وانكشف تضليله لوعي الناس، الذي كان يهدف إلى ضبابية رؤية الواقع الحقيقي من خلال عدسة السلطة، عبر بناء عالم من التفسيرات والمعاني يجعل الناس يفقدون القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب؛ فالخطر ليس في وجود سلطة قمعية فحسب، بل في اللحظة التي تتخلى فيها شعوب الأمة عن هويتها الإسلامية والحكم على الواقع من منظور لا يمت لأحكام دينها بصلة. فإعادة المرجعية الإسلامية للوعي الشعبي في حل مشاكله السياسية والاقتصادية لا تتأتى بالانعزال أو بالدعوات العاطفية ورفع الشعارات، بل تكون بخوض معـركة فكرية وميدانية شاملة بالتواصل المباشر، لتؤكد أن الإسلام ليس مجرد هوية تاريخية، بل هو نظام عالمي بديل ومنقذ للبشرية من توحش الرأسمالية.

لقد كان حزب التحرير سباقاً في الكشف عن الأسباب السياسية وعقم النهج الاقتصادي وفساده في عدم استخراج ثروات الأردن سابقاً ومنح الامتيازات للشركات الاستعمارية لاحقاً، كما بيّن البديل الناجع والأحكام الشرعية التي تتعلق بالملكيّات في الإسلام وذلك منذ عام 1962، كما بيّن رؤيته التي استنبطها من أدلتها التفصيلية في كتاب “النظام الاقتصادي في الإسلام” الذي أصدره ودعا لتطبيقه حول الموضوع نفسه.

وقد بيّن الإسلام القواعد الفقهية الأساسية للاقتصاد والمِلكية، فقسم المِلكية إلى ثلاث فئات: الملكية الفردية، وأملاك الدولة، والملكية العامة (وهي الأعيان التي نص الشارع على أنها للجماعة مشتركة بينهم، ومنع من أن يحوزها الفرد وحده). وتقع الموارد الطبيعية والجوفية التي تأخذ صفة “العِدّ الذي لا ينقطع” -مثل النفط والغاز ومعادن الذهب والحديد واليورانيوم والليثيوم والعناصر الاستراتيجية النادرة الأخرى- بوضوح في الممتلكات العامة. وبيّن أن هذا النوع من الممتلكات يُمنع أن يحوزه الأفراد، وليس هو مِلكاً للدولة، ويحرم منح الامتيازات فيه للشركات الأجنبية الطامعة في بلاد المسلمين، بل هو ملك للأمة الإسلامية، وتُرعى بصفتها مصالح عامة للمسلمين، بخلاف النظام الرأسمالي في نظرته إلى ملكية الموارد الطبيعية وطريقة استخراجها؛ ففي النظام الرأسمالي الغربي تصبح الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز والمعادن ملكية حصرية من خلال عمليات مثل “الخصخصة” أو الامتيازات الممنوحة للشركات الكبرى المحلية أو الأجنبية.

إن هذه الثروات الهائلة في الأردن ليست قضية اقتصادية فحسب، ‎بل هي قضية سياسية؛ فالوضع الاقتصادي السيئ لا يكون علاجه بالواقع السياسي الفاسد، وإنما بإعادة سلطان الإسلام للأمة وتطبيقه كاملاً في كل شؤونها، وإن تحرير البلاد من نفوذ الغرب الكــافر وكـ يان يـهود مرتبط أيضاً بهذه الثروة؛ فالوصول إلى نموذج الملكية العامة الإسلامي لثروة البرومين هو مسار يدمج بين الأصالة الفقهية والأدوات الاقتصادية والهندسية الحديثة، وهو كفيل بتحويل هذا المورد النادر وغيره من الموارد إلى رافعة حقيقية لتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي، والرفاه لعموم رعايا المجتمع، كما كانت دولة الخلافة في تاريخها تسد حاجات الناس الأساسية وتمكنهم من حاجاتهم الكمالية، وتخرجهم من الفقر والعوز وضيق العيش إلى العيش الكريم، بدلاً من حالهم اليوم الذي يصدق فيه قول الشاعر:
كالعِيسِ في البَيداءِ يَقتُلُها الظَّمَا … والماءُ فَوقَ ظُهورِها مَحمُولُ

قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)



كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
د. خالد الحكيم