مقال: استثمارات الشركات الأمريكية والأجنبية في ثروات الأردن (ج2)
استثمارات الشركات الأمريكية والأجنبية في ثروات الأردن (ج2)
شركة برومين الأردن: نهب استعماري على وقع تناغم النظام
يفتح باب التحول الحالي في السياسة الاقتصادية في الأردن نحو استخراج الثروات الدفينة باباً واسعاً من التحليل السياسي الذي يدفع باتجاه فهم التحليل الاقتصادي، طالما أُشير آنفاً إلى أن ما منع استخراج الثروات كانت أسبابه سياسية وصراعاً على النفوذ. فما الذي استجد حتى بدأت محاولات استخراج هذه الثروات، ولو بشكل متعثر في مجالات معينة أو باهتمام بالغ في مجالات أخرى؟ وهل يتعلق ذلك بالحاجة الاقتصادية الملحة للأردن نتيجة المديونية الباهظة والبطالة المرتفعة والظروف المعيشية التي تنذر بالثورة والحراكات الشعبية التي تهدد استقرار النظام، أم هو لتأطير وتثبيت النفوذ الأمريكي الاستراتيجي في المنطقة وتلبية مطالبه بالسيطرة والهيمنة على عناصر الأردن والمنطقة ومعادنها وثرواتها في صراعه مع الصين والدول الكبرى؟ وذلك للمحافظة على مركزه كدولة أولى أحادية القطب، واستبعاد الدول الكبرى المنافسة أو المقتربة منها في تأثيرها على الموقف الدولي.
الجواب هنا سيكون في سياق موضوع العنوان، وهو استثمارات الشركات الأمريكية والأجنبية ونهب الثروات في الأردن وإفقاره، وإلقاء الضوء على أثرها في النواحي السياسية من خلال بيان واقع هذه الامتيازات والشراكات الاقتصادية.
ذكرنا في الجزء الأول أنه تم تسجيل شركة البوتاس العربية عام 1956 ومُنحت الامتياز عام 1958، كمشروع عربي مشترك بين الأردن وعدد من الدول العربية والشركات وصناديق الاستثمار، من أجل تطوير واستغلال أملاح البحر الميت وإنتاج الأسمدة. وتم استكمال بناء المرحلة الأولى من المشروع في عام 1982 من خلال رأس مال وقروض من مؤسسات دولية وإقليمية، وكانت ملكية الشركاء في ذلك الحين حوالي 51% للحكومة الأردنية وباقي الأسهم للحكومات العربية وشركة التعدين العربية.
حققت الشركة أرباحاً لأول مرة في عام 1988، وعملت على إنجاز مشروع التوسع في الإنتاج، مما أدى إلى رفع طاقة إنتاج البوتاس من 1.2 مليون طن إلى 1.8 مليون طن سنوياً، لكنها تعثرت قبل خصخصتها مطلع عام 2002 نتيجة تراكم الخسائر المالية في الاستثمارات والشركات التابعة؛ بسبب سوء الإدارة التنفيذية، وتضخم الهيكل الوظيفي، وضعف التسويق مقارنة بحجم الموارد الهائل.
وقد أُثيرت حول عملية خصخصة شركة البوتاس نهاية عام 2003 تساؤلات كثيرة؛ حيث باعت الحكومة الأردنية نصف حصتها إلى شركة «بي.اس.سي» الكندية، مما أثارت انتقادات حادة من قبل الخبراء، والبرلمانيين، والنقابات حول مغالطات وزير الصناعة آنذاك، واتهام الحكومة بالتفريط في “أصول استراتيجية” مدرة للأرباح المستدامة تدلل عليها الأرقام؛ حيث قُدّرت قيمة الشركة في 30 سبتمبر 2003 بحوالي 417 مليون دينار، بينما قُدّرت قيمتها السوقية بعد الخصخصة في بورصة عمان يوم 28 ديسمبر 2011 بحوالي 3.666 مليار دينار (بارتفاع بلغ 7 أضعاف)، وبلغت مبيعات الشركة عام 2011 أكثر من مليار دولار، أي حوالي 5 أضعاف مبيعات عام 2003.
تعتبر شركة البرومين الأردنية المثال الأبرز على استغلال الثروات في الأردن من قبل المستعمر الأمريكي الجشع والمستثمرين الرأسماليين الأجانب، الذين يهدفون إلى نهب ثروات الأمة وإفقار أهل البلاد لتحقيق النفوذ والهيمنة والسيادة السياسية، بإذعان من النظام السياسي وحكوماته المتواطئة والفاسدة لتسهيل مهمات الشركات الأجنبية.
البروم هو جزء من مجموعة الهالوجينات، ويوجد في الطبيعة على شكل أملاح البروميد. ويبلغ متوسط تركيز البروم في مياه البحر حوالي 70 جزءاً في المليون، بينما يصل تركيزه في الطبقات السطحية للبحر الميت (أغنى مصدر للبروم على وجه الأرض) إلى 4500-5000 جزء في المليون. وتقدر احتياطيات البروم في البحر الميت، معبراً عنها من حيث بروميد المغنيسيوم، بمليار طن.
إن أحد أكثر الاستخدامات الواعدة للبروم ومشتقاته المتقدمة يكمن في قطاع تخزين الطاقة، وتحديداً في تصنيع المواد القائمة على البروم للبطاريات الذكية عالية السعة. حيث يُستخدم البروم في بطاريات السيارات الكهربائية وفي تطوير حلول التخزين للشبكات الهجينة الصغيرة التي تعمل بالطاقة النظيفة والمستدامة.
فالبرومين يدخل في تصنيع غاز يُدعى “بروميد الهيدروجين” عالي النقاء، ويعتبر هذا الغاز حيوياً بشكل خاص في صناعة رقاقات الذاكرة المتقدمة كعامل أساسي وحرج للغاية في صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية؛ إذ يتركز دوره في مرحلة التصنيع الكيميائي الدقيق وفي مكونات الحماية الخارجية. وقد أصبح يمثل مؤخراً مأزقاً استراتيجياً وجيوسياسياً شديد الحساسية في سلاسل التوريد العالمية؛ حيث تعتمد دول رائدة في صناعة الرقائق مثل كوريا الجنوبية بنسبة تصل إلى 97.5% على استيراد البرومين لتشغيل مصانع الرقائق الفائقة.
بلغت قيمة سوق البروم العالمية في عام 2023 نحو 3.5 مليار دولار أمريكي، ومن المتوقع أن تحقق 5.2 مليار دولار بحلول عام 2032 بمعدل نمو سنوي مركب قدره 4.25%. ويتكون السوق من 30% بروميد الهيدروجين، و30% مركبات البروم العضوي، و20% سوائل البروم، و20% من مركبات متنوعة أخرى، وتعد “إسرائيل” والأردن والصين من أكبر المنتجين.
تأسست شركة برومين الأردن عام 1999، وهي تعد الشركة الرائدة المُنتجة والمُصنعة للبروم ومشتقاته في الأردن، وثاني أكبر شركة في العالم في هذا المجال. وتم تأسيس الشركة كمشروع مشترك بين شركة البوتاس العربية وشركة “ألبيمارل“ (Albemarle) الأمريكية، حيث تتولى شركة برومين الأردن استخراج البرومين وتجهيزه وتحويله ونقله وشحنه، ودفع رسوم التعدين، والإتاوات، وأثمان الطاقة والمياه.
جنت شركة “ألبيمارل” (Albemarle) الأمريكية عوائد استراتيجية ومالية ضخمة من شراكتها بنسبة 50% مع شركة برومين الأردن؛ حيث تتولى الشركة الأمريكية “ألبيمارل” منفردة عملية تسويق وبيع جميع منتجات ومشتقات برومين الأردن عالمياً. هذه الشراكة منحت “ألبيمارل” ميزة الاستفادة من التنافسية العالية للبحر الميت، الذي يعد أغنى مصدر طبيعي في العالم من حيث تركيز الأملاح والبرومين الطبيعي بتكلفة إنتاج منخفضة للغاية. ويتيح هذا الامتياز للشركة الأمريكية التحكم في سلاسل التوريد العالمية لمادة البرومين وتوزيعها إلى أكثر من 30 دولة.
ويلاحظ هنا أنه لسنوات طويلة، ركزت الاستراتيجية التشغيلية في الأردن على تصدير البوتاس والبرومين كمنتجات خام أولية ذات هوامش ربح ضئيلة، دون الدخول في تعقيدات إنشاء مصانع تحويلية معقدة لإنتاج سلع نهائية ذات قيمة مضافة عالية، حتى أفاقت من غفلتها -إن صح التعبير- بالعمل للانتقال الكامل نحو التعدين التحويلي عالي القيمة. وتتطلع الشركة بعد خطة التوسعة الحديثة، بالشراكة مع شركة “ألبيمارل” الأمريكية التي تحتكر براءات اختراع دولية لصناعة مشتقات البرومين المتقدمة (بعد أن اطمأن الشريك الأمريكي للاستقرار القانوني الطويل للامتياز الأردني الممتد حتى 2058)، إلى تعزيز هذا الاحتكار والسيطرة الجيوسياسية الأمريكية الاستعمارية. ورغم أن الأردن يمتلك بالفعل كفاءات هندسية وجيولوجية مشهوداً لها كشفت عنها الدراسات المتراكمة منذ خمسينيات القرن الماضي، فإن الفجوة لم تكن في غياب الخبراء، بل في طبيعة “التكنولوجيا التشغيلية المتقدمة” المحتكرة، وارتهان النظام في الأردن لهذه السياسة.
بدأت مصانع شركة برومين الأردن لاحقاً بمعالجة البرومين وتحويله إلى منتجات كيميائية متخصصة ذات قيمة مضافة عالية جداً، تشمل: البرومين النقي الصافي الذي يُشحن في صهاريج مخصصة ومبطنة بالرصاص، وبروميد الكالسيوم كسوائل ثقيلة لاستكمال وحفر آبار النفط والغاز، وبروميد الهيدروجين الذي يعتبر من أهم المشتقات ويدخل بقوة في صناعة الإلكترونيات الدقيقة والموصلات الفائقة (Semiconductors) والبطاريات المتقدمة لتخزين الطاقة المتجددة، ومثبطات اللهب البرومية كمواد تضاف للأجهزة الكهربائية، وشاشات التلفاز، والحواسيب، وعوازل البناء، وإسفنج مقاعد السيارات والطائرات لمنع اشتعال الحرائق، ومركبات البروم الوسيطة للصناعات الدوائية والزراعية.
وتجدر المقارنة هنا بأنه في مقابل استغلال كيان يهود لثروة البحر الميت، تسيطر مجموعة “آي سي إل” (ICL Group) -التي تُصنّف كأكبر منتج ومصدر لمادة البرومين في العالم- على 33-38% من إجمالي الطاقة الإنتاجية العالمية للبرومين من حيث الحجم الإجمالي والهيكل المالي؛ إذ تتجاوز قيمتها السوقية حاجز 22.5 مليار دولار أمريكي في الأسواق العالمية، وتحقق إيرادات ضخمة تتجاوز 7 مليارات دولار سنوياً، وتتجاوز أرباحها حاجز 1.5 مليار دولار سنوياً. وبالمقارنة مع شركة برومين الأردن، التي تستحوذ حالياً على ثلث الطلب العالمي تقريباً، تبلغ كامل إيرادات شركة البوتاس العربية الأم في الأردن قرابة مليار دولار أمريكي وفقاً لبيانات عام 2025؛ حيث تسعى بعد توسعها الرأسمالي بقيمة 813 مليون دولار مع بداية عام 2025 إلى زيادة الإنتاج ومضاعفة الصادرات، لمحاولة انتزاع صدارة الحصة السوقية عالمياً على مدى 5 سنوات، بحسب تصريحات مديرها العام.
لا تعتبر خطة التوسعة الأخيرة لتعظيم صناعة البرومين التحويلية ذات القيمة العالية جداً -والتي أبرزتها الأزمات الإقليمية الأخيرة واختناق الممرات التجارية البرية والبحرية- رفداً لاقتصاد الدولة ورفعاً للمستوى المعيشي للناس، بقدر ما هي زيادة في النهب الاستعماري الأمريكي لثروة البرومين؛ ليس بالقيمة المادية فقط، بل بقيمتها الاستراتيجية وحاجة الصناعة الرقمية والذكاء الاصطناعي والرقاقات الإلكترونية إليها، والتي تدخل في مجالات التصنيع العسكري، ومنتجات الذكاء الاصطناعي، والصناعات الطبية وغيرها. وتأتي هذه الخطوة كاستراتيجية أمريكية لكسر الاحتكار والسيطرة التجارية (الإسرائيلية) على سوق البرومين العالمي، في حين يُستفاد منها محلياً كـ “تابع لاحق” يُروّج له إعلامياً بأثر ضئيل في العوائد لمصلحة الموازنة العامة.
يتبع… د. خالد الحكيم