مقال: الوساطة السياسية عندما تتخذ دور التبعية وإنقاذ العدو (ج2)
الوساطة السياسية عندما تتخذ دور التبعية وإنقاذ العدو
سعي عاصم منير لإنقاذ أمريكا من مستنقع حربها على إيران (ج2)
اتسمت جهود الوساطة الباكستانية بالأبعاد والاعتبارات التالية:
- إدراك واشنطن لحدود القوة العسكرية: على الرغم من التهديدات الأمريكية المستمرة، أدركت واشنطن صعوبة حسم المعركة ضد إيران عسكرياً بشكل كامل، خاصة مع تمسك طهران بمطالبها المتعلقة بإنهاء الحصار، ووقف الأعمال الحربية، والإفراج عن الأصول المجمدة، مع ربط ذلك بوقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية.
- صعود باكستان كقناة اتصال موثوقة: جَدَّتْ باكستان ونجحت إلى حدٍ ما -بفضل تواصل قيادتها العسكرية المباشر مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعلاقاتها التاريخية مع إيران- في صياغة مقترحات ومذكرات تفاهم لوقف إطلاق النار، لتصبح قناة الاتصال الموثوقة الوحيدة بين البلدين.
- تجاوز الأطر الرسمية بين منير وترامب: تجاوزت العلاقة بين قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، والرئيس دونالد ترامب الأطر الرسمية، حيث وصفه ترامب بـ “المشير المفضل لديه”. وقد بدأ هذا التقارب منذ عام 2025، عندما ساعد منير في تقديم “انتصارات دبلوماسية” لترامب، مثل تسليم مطلوبين لواشنطن وتسهيل وقف إطلاق النار مع الهند. وتشير التقارير إلى أن ترامب اعتمد بشكل مباشر على منير كقناة خلفية لنقل مقترحات أمريكية “حاسمة” إلى طهران، وهو ما جعل بعض المحللين يرى في منير “مبعوثاً لترامب” أكثر من كونه وسيطاً محايداً.
- التحفظات الإيرانية والانحياز الباكستاني: رغم نجاح باكستان في تأمين وقف إطلاق نار مؤقت في أبريل 2026 واستضافة جولة مفاوضات في إسلام آباد، إلا أن إيران أبدت تحفظات علنية. وتحدث مسؤولون إيرانيون وخبراء دوليون عن تركز الدور الباكستاني فقط على إقناع إيران بالقبول بشروط ترامب، بدلاً من تقديم حلول وسط حقيقية. كما انتقدت طهران صمت إسلام آباد تجاه استمرار العمليات العسكرية في لبنان أو مصادرة السفن الإيرانية خلال فترة التفاوض؛ حيث ركزت المفاوضات الباكستانية على التهدئة الإقليمية ومصالح واشنطن، متجاهلةً ملفات إيرانية ملحة مثل الحصار الاقتصادي والأصول المجمدة، مما عزز الانطباع بأن الوسيط يخشى إغضاب واشنطن.
- تبعية مخلصة بذريعة “استراتيجية البقاء“: هذا “الانحياز” الذي لا يمكن وصفه إلا بالتبعية المخلصة والمكشوفة، يبرره النظام الباكستاني بما يسميه “استراتيجية البقاء وتحقيق المصالح” لنيل الدعم الاقتصادي والسياسي. وتسعى إسلام آباد من خلال إرضاء ترامب إلى ضمان تدفق الاستثمارات وتخفيف الضغوط الدولية عليها، فضلاً عن استعادة دورها الإقليمي عبر التموضع كقوة جيوسياسية لا غنى عنها في آسيا والشرق الأوسط.
- التباين والانقسام في القيادة الباكستانية: تظهر الخلافات واضحة داخل القيادة الباكستانية بين المؤسسة العسكرية التي تدفع باتجاه التهدئة تلبيةً للرغبة الأمريكية، وبين الحكومة المدنية التي تخشى خسارة العلاقات مع طهران.
طبيعة الوساطة الباكستانية في العرف السياسي:
يمكن وصف طبيعة الوساطة الباكستانية، وفق العرف السياسي السائد، بـ “وساطة القوة الموجهة“؛ فباكستان تتحرك هنا كـ “ناقل رسائل بضغط أمريكي”، مما يجعل دورها أقرب إلى “الوكيل الإقليمي” لتمرير المطالب الأمريكية برداء دبلوماسي. ومع أن عرف العلاقات الدولية يرى أن نجاح الوسيط لا يعتمد بالضرورة على نزاهته بل على قدرته على فتح قنوات اتصال مغلقة (وهو ما تفعله المؤسسة العسكرية الباكستانية حالياً)، إلا أن باكستان تفتقر بموجب العرف السياسي العالمي إلى المقومات الأساسية للوسيط الدولي النزيه والموثوق، وذلك للأسباب التالية:
- افتقاد القرار المستقل: نظراً لارتهانها للمساعدات الأمريكية وقروض صندوق النقد الدولي، مما يفقدها شرط “الاستقلالية”.
- ازدواجية وانقسام مراكز القرار الداخلي: حيث تقود المؤسسة العسكرية (الجيش والمخابرات) – الموالية للتوجه الأمريكي – المفاوضات الفعلية مع البنتاغون، بينما تقف الحكومة المدنية موقف العاجز، مما يضعف مصداقية الدولة أمام إيران.
وبناءً على ذلك، لا تُصنف باكستان في العلوم السياسية كـ “وسيط دولي معتبر” أو محايد، بل هي قناة اتصال اضطرارية وظفتها واشنطن مستغلةً حاجة إسلام آباد المالية وعلاقتها الجغرافية بإيران لفرض شروط معينة وتجنب كلفة الحرب المباشرة.
والخلاصة: إن باكستان تتصرف كـ “ساعي بريد بمرتبة شريك أمني”، وتتحرك بصفة “الوكيل الإقليمي” لتمرير حزمة مطالب إدارة ترامب، وليس كطرف ثالث نزيه يبحث عن حلول وسطى ترضي الطرفين.
إذاً، ومقارنة بمعايير أدبيات الوساطة الدولية، يمكن تصنيف الدور الباكستاني على أنه “وساطة قسرية” (Coerced Mediation) أو “دبلوماسية القناة الخلفية” (Backchannel Diplomacy)؛ حيث تقع إسلام آباد تحت طائلة ضغوط واشنطن ولا تملك أوراق ضغط حقيقية عليها أو على طهران. قوتها مستمدة فقط من تفويض الأطراف، وهي مقبولة جغرافياً وعسكرياً من الجانبين، لكنها مرفوضة سياسياً من طهران كوسيط نزيه.
المتغيرات الدستورية وتكريس سلطة الجنرال منير:
لقد تغير واقع باكستان الداخلي بعد التعديل الدستوري السابع والعشرين، والذي يشكّل نقطة تحول خطيرة في تاريخ البلاد الدستوري والسياسي؛ إذ يعزز هذا التعديل نفوذ المؤسسة العسكرية ويقلص من سلطة القضاء، مما يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات العسكرية والسيطرة على مفاصل الحكم وتقليص دور المؤسسات المدنية. كما يرسخ هذا التعديل النفوذ الأمريكي من خلال شخصية الجنرال منير على مختلف فروع القوات المسلحة التي كانت مستقلة نسبياً.
وقد تحولت العلاقة بين قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى محور رئيسي في السياسة الدولية لعامي 2025 و2026، حيث جنى منير مكاسب استراتيجية وشخصية هائلة عززت من سلطته المطلقة داخل باكستان ومن مكانته دولياً. فبعد منحه لقب “مشير” وحصانة قانونية مدى الحياة، كسر منير البروتوكول التقليدي بحصوله على دعوات حصرية للبيت الأبيض، شملت غداءً خاصاً في يونيو 2025 واجتماعاً في المكتب البيضاوي في سبتمبر 2025، مما أعطى انطباعاً بأن واشنطن تعترف به كصانع القرار الوحيد في باكستان متجاوزاً الحكومة المدنية.
وأثارت مأدبة غداء ترامب مع منير ردود فعل واسعة في كل من واشنطن وإسلام آباد، وكان المغزى منها واضحاً؛ إذ كان ترامب يرفع قائد الجيش الباكستاني إلى مستوى من التفاعل يُخصص عادةً لرؤساء الدول، على الرغم من أن العلاقة بينهما لا تزال قائمة على أساس “السيد والتابع”. وتشير بعض المصادر إلى أن ثلاثة محاور رئيسية هيمنت على الاجتماع، وهي:
- إمكانية انضمام باكستان إلى “اتفاقيات أبراهام” المدعومة من الولايات المتحدة.
- المسألة الشائكة المتعلقة بسجن عمران خان وإمكانية إطلاق سراحه.
- المناقشات حول التعاون الاقتصادي الذي يشمل ثروة باكستان المعدنية، ومشتريات الأسلحة والطاقة من واشنطن.
يتبع…
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
د. خالد الحكيم