حزب التحرير ولاية الأردن

مقال: الوساطة السياسية عندما تتخذ دور التبعية وإنقاذ العدو (ج1)

الوساطة السياسية عندما تتخذ دور التبعية وإنقاذ العدو

سعي عاصم منير لإنقاذ أمريكا من مستنقع حربها على إيران (ج1)

 

تُعدّ النزاعات والخلافات جزءًا لا يتجزأ من السياسة العالمية، حيث يؤدي تضارب مصالح مختلف الجماعات والدول والجهات الفاعلة في العلاقات الدولية إلى نشوب أنواع متعددة من الصراعات.

والعلاقات الدولية تشمل في معناها العريض التداخل بين الدول، وترتكز زاوية دراستها على الكيفية التي تنظم بها الدول مصالحها مع مصالح الدول الأخرى كجزء من عملها في رعاية مصالحها. وتختلف هذه المصالح حسب أولوياتها، فتحتل “المصالح الحيوية” رأس القائمة، وهي المصالح التي تكون الدولة عادةً على استعداد للدخول في حرب فورية مع الخصم من أجل حمايتها.

وتحدد المبادئ التي تعتنقها الأمم أهم مصالحها الحيوية؛ لأنها ترسم رسالتها وقيمها التي ستحملها للأمم الأخرى، وتمنحها بعدها الدولي؛ وبناءً على هذه الرسالة تتحدد هوية الدولة إن كانت محلية، أو إقليمية، أو عالمية. والدولة ذات الرسالة العالمية تُعدّ دولة عالمية بغض النظر عن حجمها أو قوتها ابتداءً، ولم يكد الرسول ﷺ يرسخ دولته في المدينة المنورة وما حولها حتى بعث برسله إلى ملوك العالم.

وتتسع المصالح الحيوية وتطول بما يتناسب مع قوة الدولة ومكانتها الدولية، مثل تهديد مكانة الدولة الأولى في العالم ومزاحمة الدول الكبرى ذات الاعتبار لها، ليس على المستوى الآني فحسب، بل والمستقبلي أيضاً، نظراً لما ستؤول إليه هذه المزاحمة والتهديد من تأثير في الموقف الدولي، تماماً كنظرة الولايات المتحدة الأمريكية المعاصرة تجاه الصين وروسيا وأوروبا والدولة الإسلامية.

ومن عناصر قوة الدولة -بعد المبدأ والاقتصاد والديموغرافيا والجيوسياسية والقوة العسكرية- تأتي الدبلوماسية، وهي الأداة التنفيذية للسياسة الخارجية وإدارة العلاقات السياسية للدولة. ويتمثل العمل الرئيسي للدبلوماسية في المفاوضات، والمفاوضات تعني المساومات، والمساومات تقود إلى التسويات، والتسويات تقتضي تقديم تنازلات متبادلة. وتجري المساومات عادةً في المصالح الثانوية لا الحيوية، لأن المصالح الحيوية ليست موضع مساومة بل تحارب الدول من أجلها.

وتجري المساومات الدولية والدبلوماسية والمفاوضات -سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة عبر الوساطات- على المصالح الثانوية قبل الحروب أو التهديد بها. وربما نشطت هذه الدبلوماسية والوساطة السياسية أثناء الحرب، أو خلال هدنة وقف إطلاق النار، أو بعدها. وقد تكون بطلب من الطرف الضعيف لتجنب خسائر أكبر، أو بطلب من الطرف الأقوى عندما يعجز عن تحقيق أهدافه المعلنة والخفية من الحرب، أو لأنه أحدث ضرراً في مكانته الدولية لم يكن في حسبانه؛ فيسعى حينها للخروج من مأزق الحرب لحفظ ماء وجهه ومكانته التي اهتزت بسبب سوء تقديره، مستعيناً بوساطة حلفائه أو أتباعه إذا تخلى عنه الحلفاء، وما آلت إليه الولايات المتحدة الأمريكية بعد حربها المدمرة على إيران خير مثال على ذلك.

فالوساطة السياسية هي مفاوضات تجري بشكل طوعي لإدارة النزاعات سلمياً في العلاقات الدولية، وتقتضي وجود طرف ثالث خارجي بموافقة الأطراف المتنازعة للمساعدة في منع النزاع أو إدارته أو حله. وهي أداة شائعة الاستخدام لحل النزاعات توجب إجمالاً أن يكون الطرف الثالث محايداً وراغباً في تسوية سلمية تتوافق مع إرادة كلا الطرفين، مما جعل الوساطة اليوم من أكثر أساليب الدبلوماسية الوقائية فعالية. ولا يقتصر نجاح الوسيط في حل نزاع دولي على تحقيق السلام فحسب، بل يُعزز أيضاً مكانة دولة الوساطة في المعترك الدولي.

وتعني الوساطة التوصل إلى تسوية توافقية للقضايا المتنازع عليها من خلال تدخل طرف ثالث “مقبول ومحايد ونزيه” يُسهّل على الأطراف التوصل إلى تسوية مقبولة للطرفين. وتعتمد دوافع الدول للوساطة على عوامل مختلفة، منها: طبيعة العلاقات مع أحد أطراف النزاع قبل اندلاعه، أو المعاناة من الآثار السلبية وتبعات النزاع القائم، أو اتباع استراتيجية لتعزيز مكانة الدولة الدولية.

وقد يظهر نوع “مختلط” من الوساطة، يختار فيه الوسطاء استراتيجيات متنوعة وفقاً للظروف ومهاراتهم، مثل مشاركة الصين، ولاحقاً قطر وعُمان، للوسيط الرئيسي (باكستان)، ولكل طرف منها دوافعه ومصالحه الخاصة. وتعتمد نتيجة الوساطة على طبيعة النزاع والمتنازعين، وخلفية الوسيط، ومهاراته، والاستراتيجية المختارة.

وبينما يُفترض في الوسيط التحلي بالموضوعية والحياد، فإن الأدبيات السياسية المعاصرة تعتبر الحيادية مسألة ثانوية وغير واقعية مقارنة بمسألة النفوذ الذي يتمتع به الوسيط تجاه الأطراف المتنازعة. فقد قبلت الولايات المتحدة -على سبيل المثال- الوساطة الجزائرية في قضية احتجاز موظفي السفارة الأمريكية في طهران كرهائن عام 1979 بعد فشل عملية الإنقاذ العسكرية الأمريكية، ليس بسبب حياد الجزائر المطلق، بل لأنها كانت تتمتع بعلاقات وثيقة مع الدائرة المقربة من نظام الخميني؛ وبهذا المعنى، كان لانحياز الوسيط وعلاقاته تأثير إيجابي في دفع عملية الوساطة.

تحمل عملية الوساطة في النزاعات الدولية مكاسب سياسية واستراتيجية كبيرة للدول أو المنظمات التي تقوم بدور الوسيط تتجاوز مجرد حل النزاع، حيث تبتغي من ورائها تعزيز المكانة الدولية وزيادة النفوذ السياسي بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، وتوسيع شبكة علاقاتها مع أطراف النزاع للحصول على امتيازات ومصالح، وقد يجني الوسيط مكاسب اقتصادية، أو تجارية، أو عسكرية مقابل التأثير في أجندة النزاع، إذ يمتلك الوسيط القدرة على توجيه المفاوضات وتشكيل المخرجات بما يتوافق مع رؤيته.

وعلى الجانب الآخر، تبرز الوساطة المنحازة”، حيث يميل الوسيط إلى جانب أحد طرفي النزاع لتحقيق مكاسب للطرف الأقوى عجز عن انتزاعها في ميدان الحرب، أو عندما يطلب الطرف الأقوى -الذي يمارس نفوذاً على الوسيط ويقايضه على مكاسب شخصية أو دولية- التدخل لشرعنة مكاسبه الميدانية، أو لإنقاذه من “فخ الاستنزاف”. فأحياناً ينجح الطرف الأقوى عسكرياً في الحرب لكنه يعجز عن “الخروج” منها دون خسائر سياسية، فيستعين بالوسيط لممارسة “الضغط الناعم” على الطرف الأضعف.

ونتناول هنا المأزق الأمريكي في حربه على إيران، حيث توحلت واشنطن ولم تحقق أهدافها المعلنة؛ إذ واجهت بعد الضربة الأولى تحديات استراتيجية وضغوطاً اقتصادية هائلة، مما دفع الإدارة الأمريكية للجوء إلى الوساطة الباكستانية لتجنب سيناريو الحرب المفتوحة. وسعت باكستان من جانبها لفرض هدنة وضمان فتح مضيق هرمز الذي يُعد شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي.

في هذا السياق، تُصنف باكستان كوسيط منحاز للولايات المتحدة في سعيها لإبرام اتفاق مع إيران بناءً على طلب ترامب، حيث تحولت الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطهران إلى ملف شائك تكتنفه زيارات مكوكية وحالات من الشد والجذب، مما يثير اتهامات صريحة لباكستان بـ “الانحياز الاستراتيجي”.

يتبع…

 

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن

د. خالد الحكيم