حزب التحرير ولاية الأردن

مقال: الحديبية: استشراف لعقلية سياسية مُثلى وقراءة في نتائجها الواقعية

الحديبية: استشراف لعقلية سياسية مُثلى وقراءة في نتائجها الواقعية

 

يُعتبر صلح الحديبية أكبر عمل سياسي قام به رسول الله ﷺ؛ إذ أعلن عن الدعوة للمشاركة في “عمرة” لبيت الله الحرام، وجاءت هذه الدعوة بعد “غزوة الأحزاب” التي فشلت فيها قريش وحلفاؤها في إسقاط المدينة المنورة ووأد دولة الإسلام الناشئة.

لقد تناهى لرسول الله ﷺ من “عيونه” (استخباراته) في مكة والجزيرة العربية، أن يهود خيبر يحرضون مكة وقبائل العرب لشن غزوة جديدة تجتث دولة الإسلام في المدينة المنورة، وقد وافق كثير منها على ذلك. فكان لا بد من عملٍ لإجهاض هذا المكر الخبيث وإفشاله قبل تحققه؛ فما كان من رسول الله ﷺ إلا أن أعلن الدعوة في قبائل العرب لعمرة لبيت الله الحرام تعظيماً وتشريفاً له.

وهنا لا بد من العروج على “حلف الفضول” الذي مدحه رسول الله ﷺ قبل بعثته لما في بنوده من مكارم الأخلاق:

  • نُصرة المظلوم: ألا يُوجد بمكة مظلوم من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه.
  • إحقاق الحق: استرجاع الحقوق من الظالم، وأن يكونوا يداً واحدة على من ظلم.
  • إجارة اللائذ: حماية من يستجير ببيت الله، وعدم ردّ مُعظّم الحرم.

فقد قال ﷺ: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً، لو دُعيت به في الإسلام لأجبت”. كانت روح هذه الاتفاقية حاضرة وبقوة في إعلان العمرة، وسيكون لها القول الفصل في خلخلة القرار القرشي.

إن إعلان رسول لله ﷺ للعمرة لم يقتصر على المسلمين، بل أبلغه ﷺ لكل من يرغب في المشاركة من غير المسلمين في يثرب وخارج حدودها، حتى يصل الخبر لقريش بصيغة “التعبد” لا “الحرب” فيرى ﷺ ماذا يفعل الإعلان لمجرد الإعلان في قادة وزعماء مكة المكرمة. وفعلاً، وقع الخبر عليهم كالصاعقة، ودخلوا في صراع داخلي حول مدى جدية هذا الإعلان: هل يُسمح له بالدخول والاعتمار أم يُمنع؟ وما هي تبعات كل قرار؟

كل ذلك حدث وتصدعت الجبهة الداخلية بين مؤيد للسماح (تعظيماً للحرم) وبين معارض وممانع حتى لو وصل الأمر للحرب لأن في ذلك انكساراً لهيبة قريش. وانتهى الأمر باتفاق لوقف الحرب لمدة عشر سنوات، والرجوع في عامهم ذاك على أن تكون العمرة في العام القابل. ولما جلسوا لتوقيع الصلح، قال رسول الله ﷺ كلمة الفصل: “والَّذي نَفْسي بيدِهِ، لا يَسأَلُوني خُطَّةً يُعظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أَعْطَيتُهمْ إيَّاها.”

لقد كان إبرام الصلح هو المقصود الحقيقي من هذه العمرة، لأن ما ترتب عليه غيّر وجه جزيرة العرب وهز تحالفاتها؛ فقد وقعت قريش في شر مكرها وخسرت معركتها، وكانت الاتفاقية “قاصمة ظهر” الشرك والوثنية وتحالفاتها.

أعظم إنجاز حققته دولة الإسلام هو تفتيت القوى المعادية، وفتح الطريق بهذا الصلح للدعوة لتنتشر “انتشار النار في الهشيم”. فدخلت قبائل في حلف رسول الله ﷺ، وتفرغ ﷺ ليهود خيبر ومن لف لفيفهم فأزال خطرهم للأبد، وأسقط قوتهم وأخضعهم لدولة الإسلام.

بموجب هذا الواقع الجديد، انتقل رسول الله ﷺ لمخاطبة زعماء العالم بوصفه رئيس دولة مهيمنة على المسرح الدولي. ومن أهم النتائج التي تلت التوقيع:

  • القضاء على خطر اليهود ومكرهم في جزيرة العرب نهائياً.
  • توسع التحالفات: دخول قبائل كبرى في حلف دولة الإسلام.
  • الاعتراف السياسي: اضطرار قريش للإقرار بكيان الإسلام كقوة مكافئة في الجزيرة.
  • عالمية الدعوة: إرسال الرسل إلى ملوك الروم والفرس، والغساسنة، والمناذرة، والقبط، وملوك اليمن والبحرين.
  • تهميش قريش: أصبحت مكة على هامش التأثير التاريخي، وسقطت هيبتها عند العرب.

إن محاولة “إسقاط” صلح الحديبية لتبرير المصالحة مع القوى الاستعمارية أو كيان يهود هو “تجنٍ” على الحدث وتقزيم له. فشتان بين صلحٍ قاد إلى عزة الإسلام، وبين استسلام يقود إلى الخنوع.

رسول الله ﷺ كان قائداً لامتلاك الإرادة والقرار، ولم يكن تابعاً ولا معيناً من قِبل الأعداء. إن مكانة دولة الإسلام القائمة على “الندية” تختلف تماماً عن حال الدول المسلوبة الإرادة. لذا، لا يحق لأحد تسويق مشاريع الخيانة والتآمر على الأمة عبر الاستدلال بأفعال عظيمة فعلها رسول الله ﷺ جعلت الدولة الإسلامية تخاطب ملوك العالم بلسان القوة: “أسلم تسلم”.

بئس الاستدلال الذي يُحول “الفتح المبين” إلى ذريعة للخضوع وضياع الحقوق.

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن

أ.سالم أبو سبيتان