حزب التحرير ولاية الأردن

مقال – ما وراء الملف النووي: الأبعاد الاستراتيجية للحرب على إيران

بسم الله الرحمن الرحيم

مقال – ما وراء الملف النووي: الأبعاد الاستراتيجية للحرب على إيران

بقلم: الأستاذ سالم أبو سبيتان

 
سؤال: إذا كانت أمريكا قد خاضت هذه الحـ رب ليس للاستيلاء على اليورانيوم ولا بسبب الملف النووي -الذي وافقت عليه إيران برعاية عُمانية- فلماذا الحـرب إذن؟

الجواب: إن أمريكا وضعت نُصب عينيها السيطرة على منطقة الشرق الأوسط لما لهذه المنطقة من أهمية عالمية؛ موقعها الجغرافي الاستراتيجي ومركزها العالمي إذ تتقاطع بها طرق التجارة العالمية والممرات والمنافذ والمضائق البحرية التي تمر منها أغلب التجارة العالمية، وفوق ذلك مخزون الطاقة الذي يشكله 1/5 الإنتاج العالمي، والموارد الطبيعية الأخرى، مما يعني أن من يضع يده عليها يمسك بخناق العالم الصناعي والتجاري والزراعي.

وبما أن إيران دولة تدور في فلك أمريكا وتملك من القوة ما يؤهلها أن تكون مصدراً للمناكفة والإزعاج، لذا لا بد من إخراجها من دائرة الدوران بالفلك إلى التبعية والعمالة، وهذا سيؤثر قطعاً على كـيان يـهود المنافس لها في المنطقة؛ لذا لا بد من إدخال إيران بيت الطاعة الأمريكية كدولة تابعة وعميلة مما يجعل كـيان يـهود هو صاحب اليد العليا في المنطقة والوكيل الحصري لها. وحتى يتم ذلك، لا بد من إزالة العقبات التي تقف في وجه هذا المشروع وهو ما صرح به طاقم ترامب (روبيو، وبراك، وكوشنر، وترامب).

لقد سارت أمريكا في جميع الحقب بخطىً ثابتة في تنفيذ هذا المشروع؛ فدمرت ليبيا والعراق وسوريا حتى تفرغ الساحة من أي قوة تعتمد عليها الشعوب في الدفاع عن نفسها، وقامت بإخضاع الحكام العرب المتبقين لهذه الرؤية، وأجبرتهم على الانخراط في “الديانة الإبراهيمية” واتفاقيات أمنية واقتصادية مع هذا الكـيان اللقيط. ولم يتبقَّ في المنطقة كـيانات لا تزال تمتلك القـوة والصلابة إلا أربعة: مصر، وتركيا، وإيران، وباكـستان. لذلك وُضعت إيران على “المذبح” وبُدِئ بها وبأذرعها في المنطقة.

لذلك، كان لا بد من إخراج إيران من “دائرة الفلك” وإدخالها في “دائرة التبعية والعمالة”، وهذا يقتضي إزالة عناصر القـوة المتوفرة لديها، ولا يمكن ذلك إلا بالحـ رب. فرغم موافقة إيران على التخلي عن برنامجها النووي وتحديد قدرتها الصاروخية (كمّاً ومدىً)، إلا أن ذلك كان يستحيل تنفيذه فعلياً إلا إذا تعرضت إيران لضربة تفقدها توازنها؛ ضربة كبيرة تجعلها تئن تحت وطأتها وترفع الراية البيضاء بذرائع كاذبة، مثل: الملف النووي، اليورانيوم عالي التخصيب، مشروع الصواريخ الباليستية، تفكيك الحرس الثوري والباسيج، ورفع اليد عن الوكلاء في المنطقة. كل هذه الذرائع هي لذر الرماد في العيون عن الهدف الأسمى والأساس: وهو السيطرة على منطقة الشرق الأوسط “قلب العالم”.

لكن إيران، بعد الضربة الهائلة التي شاركت فيها أكثر من مائتي مقاتلة من طراز (F-16) و(F-35) والبوارج البحرية وحاملات الطائرات، والتي نتج عنها مقتل علي خامنئي وكبار قادة إيران العسكريين والسياسيين (من الصف الأول والثاني وجزء من الثالث)، وهو الأمر الذي كان يُؤمل منه استسلام إيران ورفعها للراية البيضاء ليتسلم زمام الأمور موالون وعملاء وأصحاب مصالح؛ إلا أن الذي جرى كان خلاف المتصور. فقد فاجأت إيران أمريكا بحركة عملياتية عـ سكرية في اللحظات الأولى بعد الضربة وقبل انقشاع غبارها، بإطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيرة بكافة أحجامها ومداياتها نحو أهداف منتقاة بدقة متناهية، أخرجت القواعد الأمريكية من الخدمة أو عطلتها، مما استدعى نقل أفرادها بعيداً وتدمير راداراتها الذكية. كما طال القصف المتوالي وبشدة متصاعدة “كـيان يـهود”، الذي فر منه مئات الآلاف إلى الخارج، بينما يعيش الباقون في الملاجئ ليل نهار.

ثم أحكمت إيران قبضتها على شريان الاقتصاد العالمي “مضيق هرمز”، وأخرجت حاملات الطائرات والقطع البحرية الأمريكية عن مدى الصـ واريخ الإيرانية. ومنذ أربعين يوماً، يتخبط الرئيس الأمريكي بإعلانات وتوجهات (ترندات) متضاربة ومتناقضة، خاصة وأن العالم كله دُفع إلى “الحائط” في هذه المعمعة، مما دفع دول العالم للتخلي عن أمريكا والتزام الحياد، مما زاد الطين بلة لأمريكا التي وجدت نفسها وحيدة (حيث لم يمد لها حلف الناتو ولا أوروبا ولا الدول العربية يد العون). ثم طلب ترامب من الدول العميلة التدخل للخروج من هذا المأزق بأقل الخسائر وبأي صورة تحفظ لأمريكا هيبتها وماء وجهها. إن تدخل باكستان لدفع إيران للقبول بوقف إطلاق النار تم بطلب من ترامب، بعد أن رفضت الدول الأوروبية والناتو التدخل، وقد استطاعت باكـستان إقناع الإيرانيين بذلك، وتم منح مهلة أسبوعين لإبرام اتفاق مع إيران.

إن أمريكا إذا فشلت في إخراج إيران من “الدوران في الفلك” إلى “التبعية المطلقة”، فهل ستسعى للاتفاق معها كي لا تخرج من هذا الفلك نحو الانعتاق والتحرر والاستقلال (وهو ما يشكل خطراً داهماً عليها وعلى مصالح حليفها كـيان يـهود)؟ وهل ستبقيها في دائرة الفلك عبر إعطائها يداً في تقاسم إدارة الخليج ومضيق هرمز؟ وما هي النتائج المترتبة على ذلك بالنسبة لكـيان يـهود ودول المنطقة، وخاصة الخليجية التي ستكون تحت رحمة إيران وأذرعها؟

إن الناظر في كل الحلول والنتائج المحتملة يجد أنها تصب في خانة أمريكا والكـيان وإيران، والخاسر الأوحد والأكبر هو الأنظمة العربية من الخليج وحتى المغرب العربي. فإذا ربحت أمريكا الحرب، فإن “كـيان يـهود” سيعربد في المنطقة، وسيضع -كما أخبر نتنياهو- “مدونة سلوك” لهذه الأنظمة تحدد مناهج التعليم، وكمية السـلاح ونوعيتها، وحجم القوى العـ سكرية، مع رقابة متناهية الشدة على الإعلام والصادرات والواردات. وأما إذا “فازت” إيران، فسيكون الكـيان رابحاً أيضاً؛ لأن الربح الإيراني جاء باتفاق مع أمريكا، حيث سيكون كـيان يـهود “اللاعب المضارب” في المنطقة والشريك مع إيران في إدارتها والتحكم بها.

وإذا فازت أمريكا واستطاعت إخضاع إيران، فالنتائج في الحالتين تحصيل حاصل، والخاسر هو المنطقة برمتها التي ستدفع ثمن هذه المغامرة الأمريكية وتبعاتها.

لم يدرك -ولن يدرك- الحكام الذين صنعهم الاستعمار الغربي إبان الحقبة الماضية، أن اتفاقية “سايكس بيكو” قد انتهى دورها ومفعولها، وأن أمريكا -كحال الاستعمار القديم- هي من سيعيد تشكيل خارطة المنطقة برمتها من الخليج إلى المحيط بما تمليه عليها مصلحتها. وليس للمنطقة وأنظمتها التي هي إلى زوال إلا أن يُعاد المشروع العظيم “الخـلافة الإسلامية على منهاج النبوة”، ولكنهم عن هذا العز “لمعزولون” ومن خيره “لمحرومون”، فهي هبة الله التي لا تُوهب إلا لخيرة خلقه: (عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ).