قراءة في مقال: “مصفوفات الإمبراطورية” للكاتب: فرناندو روغيتسكي
قراءة في مقال: “مصفوفات الإمبراطورية” للكاتب: فرناندو روغيتسكي
بدايةً، صاحب المقال هو فرناندو روغيتسكي، محاضر أول في الاقتصاد بجامعة “ويست أوف إنغلاند بريستول”، ومحاضر سابق في قسم الاقتصاد بجامعة “ساو باولو” (البرازيل) بين عامي 2015 و2021. وفي عام 2020، كان باحثاً زائراً في مركز الدراسات الأمريكية اللاتينية بجامعة “كامبريدج”. يحمل درجة الدكتوراه في الاقتصاد من مدرسة “نيو سكول للأبحاث الاجتماعية” (الولايات المتحدة). نُشرت أعماله في عدد من المجلات، منها: مجلة كامبريدج للاقتصاد، وريفيو أوف بوليتكال إيكونومي، وريفيو أوف راديكال بوليتكال إيكونومي، ونيو ليفت ريفيو (سايدكار)، وجاكوبين.
أما المقال، فأذكر أبرز ما ذكر فيه:
1- انكشاف النفاق الإمبراطوري: قديماً، حين كانت واشنطن تتذرّع بالدوافع الإنسانية أو نشر الديمقراطية، كان لزاماً علينا -نحن المشتغلين بالاقتصاد السياسي- إماطة اللثام عن مآربها المستترة، وكشف المصالح المادية خلف الهالة الإعلامية. أما اليوم، فيبدو أن “النفاق السياسي” نفسه بات تحت التهديد؛ فبمجرد أن أضحى نهب الموارد أمراً يُجاهر به أصحابه، لم يعد هناك ما نجهد أنفسنا في تحليله.
2- الاستيلاء العارض والابتزاز: إن الاستيلاء على الموارد لا ينطلق دوماً من رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، بل قد يكون “فعل ابتزاز عارض” يصب في مصلحة أطراف بعينها داخل النخبة المحيطة بترامب؛ كنهب فنزويلا لسداد تعويضات لشركات مثل “كونوكو فيليبس” و”إكسون موبيل”، أو لخدمة مصافي النفط الأمريكية. كما قد يكون استعراضاً موارباً لاستنهاض قواعد ترامب واليمين اللاتيني المطالب بتغيير الأنظمة في كوبا وفنزويلا.
3- إحياء “عقيدة مونرو”: تزعم إستراتيجية ترامب للأمن القومي ضرورة بعث “عقيدة مونرو” من جديد، بهدف كبح الهجرة الجماعية، وإخراج الصين من أمريكا اللاتينية، وضمان بقاء نصف الكرة الأرضية بمنأى عن أي تغلغل أجنبي معادٍ، تأميناً لسلاسل التوريد والمواقع الإستراتيجية.
4- ثقل النفط اللاتيني: حصة أمريكا اللاتينية من النفط ليست هينة؛ فإجمالي إنتاجها مع كندا والولايات المتحدة يضاهي إنتاج منطقة الشرق الأوسط، وقد يزداد هذا الزخم إذا أُعيد تأهيل البنية التحتية النفطية في فنزويلا.
5- فخ “التجارة المهذبة” مع الصين: انضمت الصين لمنظمة التجارة العالمية عام 2001 برغبة أمريكية، أملاً في أن تؤدي “اللبرلة الاقتصادية” إلى تبعية سياسية لواشنطن، بناءً على مفهوم مونتسكيو عن “التجارة المهذبة” التي تلطف الطباع. لكن بكين استغلت ذلك لبناء قوتها، مما جعل واشنطن تندم على تلك الشروط التي ظنتها وسيلة للسيطرة.
6- إمبريالية الموارد الفجة: يبدو أن الولايات المتحدة تتوق لفصل جديد من “القوة الخشنة” تجاه غرينلاند وإيران وفنزويلا. لقد ولى زمن المداهنة، وعاد عهد الإمبريالية الفجة، حيث التنافس الإمبراطوري هو المحرك الأساسي للأحداث.
7- ردود الفعل الدولية: الفاعلون الآخرون لن يقفوا مكتوفي الأيدي؛ فالصين تُحكم سيطرتها على المعادن الحيوية، والبرازيل في عهد “لولا” صمدت أمام الرسوم الجمركية الأمريكية، مما أجبر واشنطن على التراجع خشية ارتماء البرازيل في أحضان الصين.
وللتعليق على المقال بكلمات بسيطة:
إن الولايات المتحدة الأمريكية دولة رأسمالية، بل هي زعيمة الدول الرأسمالية، وهي تقوم على مبدأ “فصل الدين عن الحياة”، وطريقتها في نشر مبدئها هي الاستعمار.
وأما الطريقة التي يتبعها المعسكر الرأسمالي لتنفيذ فكرته فهي الاستعمار؛ أي فرض السيطرة السياسية، والعسكرية، والثقافية، والاقتصادية على الشعوب المغلوبة لاستغلالها، وهذه الطريقة ثابتة لا تتغير بغض النظر عمن في الحكم. لكن قوة الارتباط بين الفكرة والطريقة مهمة جداً لمعرفة كيف تتعامل الولايات المتحدة مع الدول محل الاستعمار. يقول كتاب “مفاهيم سياسية” لحزب التحرير:
“وأما اختلاف النظرة للاستعمار، من حيث ارتباطه (كطريقة) بالرأسمالية (كفكرة)، فإنها أصبحت تتردد بين: قوة هذا الارتباط، أي إن الاستعمار طريقة فحسب لنشر الرأسمالية، ما يعني أن الاهتمام الأول هو لنشر الرأسمالية، وبين ضعف هذا الارتباط، أي إن الاهتمام الأول هو للاستعمار نفسه، والاهتمام الثانوي هو لنشر الرأسمالية، فكأن الاستعمار قد اقترب من أن يكون غاية. وقوة الارتباط أو ضعفه يتوقف على البلاد التي تريد الدول الرأسمالية السيطرة عليها؛ أهي ذات حضارة تريد غزوها وإدخال الحضارة الرأسمالية الفاسدة إليها لتسهيل السيطرة عليها ونهب خيراتها، أم هي خالية الوفاض لا حضارة فيها تحتاج إلى غزو بل تستعمرها لنهب ثرواتها والسيطرة عليها فحسب؟ وهذا يتضح من كون صراع الدول الغربية في استعمارها لأفريقيا قد أخذ حدته في الاستغلال، ويكاد نشر الفكرة الرأسمالية أن لا يكون له وجود”.
أما أن إدارة ترامب لم تعد تهتم فتذكر ما تريد دون مجاملة، فهي سياسة الغطرسة والعلو في الأرض أولاً، ثم انكشاف حقيقة المُثل الأمريكية الكاذبة، وما فضيحة جزيرة الرذيلة (إبستين) إلا واقعة من الكثير.
وهنا نجد دولاً مثل أمريكا اللاتينية لا تحمل مبدأً مغايراً (عقيدة ونظاماً)، فتجد ترامب في سلوكه مع هذه الدول قد جعل من الاستعمار غاية وليس طريقة، لكنه في دول العالم الإسلامي يجعل الاستعمار طريقة، وإن غلب عليه طابع النهب والسيطرة، لكنه لن يغفل عن محـاربة الإسلام. ولا تزال مرتكزات السياسة الأمريكية في العالم الإسلامي في عهد ترامب تقوم على ثلاث ركائز:
- أولاً: الاستعمار ونهب الثروات.
- ثانياً: الحفاظ على كـ ـيان يـ هود.
- ثالثاً: محــاربة الإسلام.
ولا يوحي شيء في إدارة ترامب الجديدة بأي تغيير جوهري في نظرة أمريكا لهذه الركائز؛ وهي ترى بأن جوهرة المنافع الاقتصادية في البلاد الإسلامية إنما تتمثل بالنفط وموارد الطاقة، وترى بأن هيمنة أمريكا عليها متحققة بسهولة، لكنها في حـرب قوية مع الإسلام وأهله. ففي عام 2018، أكدت وثيقة إستراتيجية مكافحة الإرهـاب لإدارة ترامب الأولى أن أمريكا في حالة حـرب معه، وفي الولاية الثانية أقرّت بأن الشرق الأوسط يظل في قلب جهود مكافحة الإرهـاب الأمريكية.
فقد قال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو: “لقد أظهر الإسلام المتطرف أن رغبته لا تقتصر على احتلال جزء من العالم والاكتفاء بخـلافته الصغيرة، بل يسعى إلى التوسع. إنه ثوري بطبيعته، يسعى إلى التوسع والسيطرة على المزيد من الأراضي والسكان… وهذا تهديد واضح ووشيك للعالم وللغرب عموماً، وخاصةً للولايات المتحدة التي يعتبرونها المصدر الرئيسي للشر في العالم”.
الخاتمة: قال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾. فالولايات المتحدة تُخطط وتمكر، ومكرها شديد وقد وصفه الله بتعبير دقيق ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، والجبال هنا رمز الرسوخ والقوة والثبات، ولكن مكر الغرب سيرتد على نفسه. قال تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَواعدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
ولكن الأمر أيضاً بحاجة إلى عمل وبناء إستراتيجيات رد وكشف وفضح كيد الكافرين، وليس الترقب والانتظار، وهذا واجب على الأمة، خاصة حركاتها السياسية والعلماء والمفكرين.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية الأردن
أ. حسن حمدان